السيد نعمة الله الجزائري

205

الأنوار النعمانية

فأجاب عليه السّلام بما حاصله ان الأرواح قد توافقت وائتلفت في العالم الأول وتناكرت واختلفت فيه أيضا ، ونسيت أحوال ذلك العالم بما حصل لها من الاشتغال ، بعلائق هذه الأبدان لكن إذا نظرت إلى من ألفته في العالم القديم تشوقت اليه وعرفته معرفة ما ومالت بالألفة اليه ، وإذا رأيت من تناكرت معه في ذلك العالم لم تنعطف عليه في هذا العالم ، ولم خالطته المخالطة التامة والمعاشرة الطويلة ، ومن هذا ما وقع في الأخبار الخاصة في سبب الحزن والفرح من غير سبب يعرفه الانسان وحاصله كما قال عليه السّلام ان الانسان يكون له أخ ومحب بعيد عنه ويصل اليه أسباب الحزن والفرح على بعده والروح من هيهنا يصير لها نوع من الاطلاع على حزن ذلك الأخ البعيد وفرحه فتفرح وتحزن في مكانها والسبب غير معروف في الظاهر ، ومن ثمّ إذا كان لبعض الأرواح علاقة شديدة مع البعض الاخر يكون الحزن والموت الذي يحيط بتلك النفس البعيدة معلوما بالمنام أو غيره لهذه النفس فإذا ضبط التاريخ كان وقت الاطلاع هنا موافقا لوقت الوقوع هناك ، وله أسباب أخرى أيضا يأتي بيانها في نور الفرح والسرور ان شاء اللّه تعالى والدالّ على ذلك كلّه قوله صلّى اللّه عليه وآله الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وهذا حديث مستفيض رواه العامة والخاصة وجعلوه هو المراد من هذه المقالة . قال ابن الأثير مجنّدة أي مجموعة كما يقال ألوف مؤلفة ومعناه الإخبار عن مبدأ كون الأرواح وتقدمها على الأجساد انها خلقت أول خلقها على قسمين من ائتلاف واختلاف كالجنود المجموعة إذا تقابلت وتواجهت ، ومعنى تقابل الأرواح ما جعلها اللّه من السعادة والشقاوة والاخلاق في مبدأ الخلق ، يقول إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا وتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه ، ولهذا ترى الخيّر يحبّ الأخيار ويميل إليهم ، والشرير يحبّ الأشرار ويميل إليهم . وروى عن الباقر عليه السّلام قال إن العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى السماء فما رأت الأرواح في السماء فهو الحق وما رأت في الهوى فهو الأضغاث الا وان الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف فإذا كانت الروح في السماء تعارفت وتباغضت فإذا تعارفت في السماء تعارفت في الأرض ، وإذا تباغضت في السماء تباغضت في الأرض وحيث عرفت مثل هذا فلا بأس بمعرفة أحوال الطينة لأنها مناط فوائد كثيرة .